فخر الدين الرازي
103
تفسير الرازي
العتاب لصاحبه ، وتعديده عليه ذنوبه بعد كثرة إحسانه إليه أمن قلة إحساني إليك أمن إهانتي لك ؟ والمعنى أمن أجل هذا فعلت ما فعلت ؟ ونظيره قوله تعالى : * ( أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه ) * ( الزمر : 9 ) وهذا الوجه مروي عن مجاهد وعيسى بن عمر . أما قراءة من قرأ بقصر الألف من * ( أن ) * فقد يمكن أيضاً حملها على معنى الاستفهام كما قرىء * ( سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ) * ( البقرة : 6 ) بالمد والقصر ، وكذا قوله * ( أن كان ذا مال وبنين ) * قرىء بالمد والقصر ، وقال امرؤ القيس : تروح من الحي أم تبتكر ؟ * وماذا عليك ولم تنتظر أراد أروح من الحي ؟ فحذف ألف الاستفهام ، وإذا ثبت أن هذه القراءة محتملة لمعنى الاستفهام كان التقدير ما شرحناه في القراءة الأولى . الوجه الثاني : أن أولئك لما قالوا لأتباعهم : لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم * ( إن الهدى هدى الله ) * فلا تنكروا * ( أن يؤتي أحد ) * سواكم من الهدى * ( مثل ما أوتيتموه ) * * ( أو يحاجوكم ) * يعني هؤلاء المسلمين بذلك * ( عند ربكم ) * إن لم تقبلوا ذلك منهم ، أقصى ما في الباب أنه يفتقر في هذا التأويل إلى إضمار قوله فلا تنكروا لأن عليه دليلاً وهو قوله * ( إن الهدى هدى الله ) * فإنه لما كان الهدى هدى الله كان له تعالى أن يؤتيه من يشاء من عباده ومتى كان كذلك لزم ترك الإنكار . الوجه الثالث : إن الهدى اسم للبيان كقوله تعالى : * ( وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ) * ( فصلت : 17 ) فقوله * ( إن الهدى ) * مبتدأ وقوله * ( هدى الله ) * بدل منه وقوله * ( أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ) * خبر بإضمار حرف لا ، والتقدير : قل يا محمد لا شك أن بيان الله هو أن لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ، وهو دين الإسلام الذي هو أفضل الأديان وأن لا يحاجوكم يعني هؤلاء اليهود عند ربكم في الآخرة لأنه يظهر لهم في الآخرة أنكم محقون وأنهم مضلون ، وهذا التأويل ليس فيه إلا أنه لا بد من إضمار حرف * ( لا ) * وهو جائز كما في قوله تعالى : * ( أن تضلوا ) * ( النساء : 44 ) أي أن لا تضلوا . الوجه الرابع : * ( الهدى ) * اسم و * ( هدى الله ) * بدل منه و * ( أن يؤتى أحد ) * خبره والتقدير : إن هدى الله هو أن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم ، وعلى هذا التأويل فقوله * ( أو يحاجوكم عند ربكم ) * لا بد فيه من إضمار ، والتقدير : أو يحاجوكم عند ربكم فيقضى لكم عليهم ، والمعنى : أن الهدى هو ما هديتكم به من دين الإسلام الذي من حاجكم به عندي قضيت لكم عليه ، وفي قوله * ( عند ربكم ) * ما يدل على هذا الإضمار ولأن حكمه بكونه رباً لهم يدل على كونه راضياً عنهم وذلك مشعر بأنه يحكم لهم ولا يحكم عليهم .